الوقت - بينما يحلم أردوغان بارتداء رداء الخلافة العثمانية بالصلاة في الجامع الأموي بدمشق، حوّل الكيان الصهيوني هذا الحلم إلى كابوس فوضوي بأفعاله، وعرقل حسابات تركيا لبناء سوريا جديدة.
امتد التنافس والتوتر بين تركيا والكيان الصهيوني، المستمر منذ سنوات حول القضية الفلسطينية، إلى الساحة السورية خلال العامين الماضيين. فبعد سقوط بشار الأسد وصعود الجماعات المسلحة في دمشق، دخلت الخلافات بين الجانبين حول مستقبل سوريا، والنفوذ الإقليمي، والدور العسكري التركي مرحلة جديدة. لذا، يُمكن اعتبار الهجوم الإسرائيلي الأخير على قاعدة أبو الظهور الجوية شمال سوريا يوم الثلاثاء أحد أخطر المؤشرات على ذلك.
وبحسب التقارير، نُفذت ثماني هجمات على الأقل على مدرج القاعدة ومنشآتها، مما أدى إلى إلحاق أضرار ببنيتها التحتية. وما زاد من أهمية هذا الحادث في المعادلة السورية هو ادعاء إسرائيل بوجود قوات تركية في القاعدة. وصرح وزير الخارجية السوري بأن مسؤولين عسكريين أتراك زاروا القاعدة قبل أيام من الهجوم، لكن هذه الزيارة لا تعني إنشاء قاعدة عسكرية تركية دائمة في أبو الظهور. وأكد أن القاعدة ستبقى تحت السيادة السورية، وأنه لا توجد أي خطط لنشر قوات تركية دائمة فيها.
وقال مسؤولون سوريون إنه في وقت الهجوم، كان فريق فني تركي مُكلفًا بإصلاح المدرج وبرج المراقبة، وأنه لم يكن هناك أي وجود عسكري في القاعدة.
مع ذلك، برر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي الهجوم بالقول: "على الرغم من اتفاق إسرائيل وسوريا على الحفاظ على الوضع الراهن، إلا أن دمشق كانت على وشك انتهاكه، إذ أرادت السماح للقوات التركية بالانتشار في قاعدة جوية قرب حلب. وقد حذرت إسرائيل سوريا مرارًا من أن مثل هذا الانتشار سيشكل تهديدًا لأمنها، لكن سوريا اختارت تجاهل هذه التحذيرات".
وزعم مكتب نتنياهو: "لن تتسامح إسرائيل مع أي تهديد لأمنها، وسترحب بالعودة إلى الوضع الراهن". كما خاطب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس رجب طيب أردوغان مباشرة، محذرًا إياه من جر تركيا إلى مغامرات خطيرة في سوريا، ومن اختبار عزيمة إسرائيل على الدفاع عن نفسها.
وردًا على ذلك، أدانت تركيا بشدة الهجوم الإسرائيلي، مؤكدة أن إسرائيل تنتهك وحدة أراضي سوريا وسيادتها باستهدافها بنيتها التحتية وقدراتها. رفض المكتب الإعلامي للرئاسة التركية مزاعم مكتب نتنياهو، واصفًا إياها بأنها لا أساس لها من الصحة، ومؤكدًا أن هذه التصريحات تتماشى مع سياسات نتنياهو التوسعية والمزعزعة للاستقرار، لا سيما عشية الانتخابات الإسرائيلية. وشددت أنقرة على استمرار تعاونها مع الحكومة السورية لإرساء السلام والاستقرار والازدهار في البلاد.
وقال مسؤولون أتراك إن إسرائيل لم تستخدم الخط الساخن الذي أُنشئ بين البلدين العام الماضي لمنع وقوع اشتباكات عسكرية، مما زاد من خطر تصعيد التوترات. وفي هذا الصدد، صرّح توماس باراك، المبعوث الأمريكي لتركيا وسوريا، لإحدى وسائل الإعلام العبرية بأن الهجمات "تنطوي على خطر حقيقي لتصعيد سريع إلى صراع عسكري مباشر بين إسرائيل وتركيا، وكذلك سوريا".
تجدر الإشارة إلى أن تركيا، بوصفها أحد أبرز داعمي الحكومة السورية، تسعى إلى استغلال التطورات الجديدة في البلاد وتوسيع نفوذها السياسي والعسكري في سوريا.
الأهمية الاستراتيجية لمطار أبو الظهور العسكري
لفهم مغزى الهجوم الإسرائيلي الأخير، لا بد من التمعن في الموقع الجغرافي والأهمية الاستراتيجية لأبو الظهور. تقع هذه القاعدة شرق محافظة إدلب، على بُعد حوالي 45 كيلومترًا جنوب حلب، في شمال سوريا، بالقرب من الحدود التركية.
كان أبو الظهور من أهم المراكز العسكرية في الحرب الأهلية السورية، إلا أنها تضررت بشدة خلالها، وتوقفت عن العمل لسنوات، ما جعل إعادة إعمارها أمرًا بالغ الأهمية. هذا الموقع يجعل ترميم القاعدة ليس مجرد مشروع بناء، بل جزءًا لا يتجزأ من عملية إعادة بناء القوة العسكرية للحكومة السورية الجديدة.
كما يقع أبو الظهور بالقرب من طرق نقل القوات والمعدات الرئيسية بين شرق سوريا وغربها، ومن هذا المنطلق، يمكن استخدامه للسيطرة على العمليات العسكرية ودعمها في جزء كبير من شمال البلاد.
ويزيد موقعه في سهل إدلب الخصب من أهمية هذه المنطقة من حيث السيطرة على خطوط الإمداد والتطورات الأمنية. إن إعادة بناء هذه القاعدة وتفعيلها، لا سيما في ظل تنافس القوى الإقليمية على تعزيز نفوذها في سوريا، قد يؤثر على التوازن العسكري والأمني في شمال البلاد.
سبب قلق تل أبيب
يكمن سبب قلق تل أبيب البالغ إزاء الوجود العسكري لأنقرة على الأراضي السورية في المعادلات المتغيرة في سوريا.
بعد سقوط نظام بشار الأسد، أصبحت أنقرة من أبرز الداعمين للحكومة السورية الجديدة، وإلى جانب مشاركتها في إعادة بناء البنية التحتية التي دمرها الصراع، عززت تعاونها الأمني والعسكري مع دمشق.
في أغسطس/آب 2025، وقّع وزيرا دفاع البلدين مذكرة تفاهم للتدريب والاستشارات العسكرية، تضمنت أيضاً توفير المعدات وأنظمة الأسلحة، والدعم اللوجستي، وتدريب القوات، ونقل الخبرات العسكرية إلى سوريا.
إن التعاون العسكري التركي في قاعدة مثل أبو الظهور من شأنه أن يعزز نفوذ أنقرة من المستوى السياسي إلى المستويين العملياتي والأمني. كما سيتيح هذا الوجود لتركيا توطيد علاقاتها مع شمال سوريا، والاضطلاع بدور أكبر في تشكيل جيش سوري جديد.
لذا، من وجهة نظر إسرائيل، لا تقتصر مسألة أبو الظهور على كونها مطاراً عسكرياً فحسب، بل هي جزء من تنافس على تحديد القوة التي سترسم مستقبل سوريا. فإذا تمكنت تركيا من إنشاء شبكة تعاون عسكري وتدريبي ولوجستي في سوريا، سيتحول نفوذ أنقرة من وجود سياسي إلى وجود أمني مستدام. وقد يُقيّد هذا الوضع قدرة تل أبيب، التي تسعى للحفاظ على حرية تحركاتها العسكرية في سوريا.
لذا، من وجهة نظر تل أبيب، لا تقتصر المسألة على وجود عدد قليل من المستشارين أو وفد عسكري، بل يكمن القلق الرئيسي في أن تصبح تركيا تدريجيًا القوة العسكرية المهيمنة في سوريا، وأن تُنشئ بنية تحتية طويلة الأمد لوجودها. ويأتي هذا في الوقت الذي سعت فيه حكومة نتنياهو المتطرفة في السنوات الأخيرة إلى إضعاف القدرات العسكرية لسوريا ولبنان، وتعزيز الأمن في المناطق المحيطة بالأراضي المحتلة. ولهذا السبب، يُعتبر إعادة بناء البنية التحتية العسكرية السورية، وتعزيز القدرات الدفاعية للبلاد، تهديدًا خطيرًا لقادة تل أبيب.
رسالة الهجوم لأردوغان والشرع
تزداد الأهمية السياسية لهذا الهجوم عند ربطه بجهود أردوغان لتعميق العلاقات مع دمشق. فقد أعلن أردوغان مؤخرًا عن نيته زيارة دمشق في نهاية هذا العام، والتي ستكون، في حال تنفيذها، أول زيارة له منذ سقوط بشار الأسد.
من هذا المنظور، يمكن تفسير الهجوم على أبو الظهور على أنه أكثر من مجرد عملية جوية محدودة. من وجهة نظر المراقبين الأتراك، فإن استهداف موقعٍ يُحتمل فيه تعزيز الوجود التركي، يُعدّ بمثابة رسالةٍ واضحةٍ من الكيان الصهيوني إلى أردوغان مفادها أن توسيع النفوذ العسكري التركي في سوريا سيُقابل بمقاومةٍ إسرائيلية، وأن الصهاينة لن يسمحوا له بالاستقرار في سوريا.
في الوقت نفسه، يُرسل هذا الهجوم رسالةً جليةً إلى حكومة أحمد الشرع مفادها أن دمشق لا يمكنها الاعتماد كلياً على الدعم التركي لإعادة بناء جيشها وبنيتها التحتية العسكرية، ومن وجهة نظر تل أبيب، فإن أي تغيير في موازين القوى العسكرية السورية سيخضع للمراقبة. لقد حذّرت تل أبيب دمشق فعلياً من أن التقارب مع أنقرة وتلقّي المساعدات العسكرية من تركيا لن يمنع الكيان من اتخاذ إجراءاتٍ عسكرية.
لا ترغب تل أبيب في أن تتحوّل سوريا من دولةٍ ضعيفةٍ إلى دولةٍ ذات جيشٍ مُعاد بناؤه ودعمٍ من قوةٍ إقليميةٍ كتركيا بعد سقوط الأسد. لذا، يعتقد بعض المراقبين أن الهجوم على أبو الظهور بمثابة إنذار استباقي لحكومة أحمد الشرع، مفاده أن الكيان الصهيوني يسعى لفرض قواعده الأمنية على دمشق قبل وصول الجيش السوري الجديد إلى السلطة وانخراط تركيا بشكل أعمق في تنظيمه.
وتزداد أهمية هذه المسألة بعد أن ناقش رئيس الموساد ووزير الخارجية السوري، قبل أيام من الهجوم (14 أغسطس/آب)، الوجود العسكري التركي في سوريا عبر مكالمة هاتفية. وذكرت مصادر رويترز أن هذه المكالمة كانت من أعلى مستويات التواصل المباشر بين تل أبيب والحكومة السورية الجديدة.
حلف مكة ومعادلات المنطقة المتغيرة
لا يمكن دراسة الهجوم على أبو الظهور بمعزل عن سياق التغيرات والتطورات في غرب آسيا. ففي الأشهر الأخيرة، سعت تركيا إلى توسيع تعاونها الأمني مع دول المنطقة، ويُعد توقيع اتفاقية دفاعية مع السعودية وباكستان، والمعروفة باسم "حلف مكة"، أحد مؤشرات تشكيل ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة.
إذا استمر هذا التوجه، فقد تصبح تركيا إحدى ركائز البنية الأمنية الجديدة، إلى جانب السعودية وباكستان، وهي بنية، وإن لم تُعلن رسمياً عداءها لإسرائيل، إلا أن تل أبيب قد تعتبرها تطوراً هاماً من شأنه أن يُقيّد الكيان في المستقبل.
"لقد وضع اتفاق مكة مع باكستان والسعودية، الذي قدمته إسرائيل على أنه محور سني جديد، نتنياهو في موقف حرج عشية الانتخابات، لأن إسرائيل تقول ضمنياً: "لا نُبالي بالبنية الأمنية الجديدة التي تُشيّدها تركيا، وسنواصل الهجوم أينما ومتى شئنا".
وهكذا، يبدو أن التنافس التركي الإسرائيلي في سوريا يتجاوز الخلافات السياسية ويدخل مرحلة أمنية حيث لكل منهما أهداف مختلفة في البلاد. فتركيا تريد سوريا مستقرة وموحدة ذات حكومة مركزية قوية وقادرة على إعادة بناء جيشها وأجهزتها الأمنية بدعم من أنقرة، بينما يسعى الكيان الصهيوني إلى ضمان ألا تُفضي هذه العملية إلى إنشاء قوة عسكرية جديدة قرب حدوده.
من هذا المنظور، قد يُمثّل الهجوم على قاعدة أبو الظهور نقطة تحوّل، إذ أظهر الكيان، باستهدافه هذه القاعدة، جديته في إمكانية إقامة وجود عسكري تركي في سوريا، بينما أظهرت تركيا، بإدانتها للهجوم وتأكيدها على دعمها المتواصل لدمشق، عزمها على عدم التراجع.
إذا استمر هذا المسار مع تعزيز التعاون العسكري بين تركيا وسوريا، وتوطيد الحكومة الجديدة في دمشق، وتشكيل تحالفات أمنية جديدة في المنطقة، فقد تُصبح سوريا الساحة الرئيسية للتنافس بين تركيا والكيان الصهيوني في السنوات القادمة.
